
كتبها الأستاذ أحمد محمود القاسم … ناقد وباحث فلسطيني
صابرين الصباغ أديبة وشاعرة مصرية عربية من مدينة الإسكندرية، عضوة في اتحاد كتاب مصر والكثير من النوادي والإتحادات الأخرى، وحاصلة على العديد من الجوائز في القصة، صدرت لها مجموعات قصصية بعنوان: وصية أم وتكات الخريف والفرار إلى قفص، ولها رواية بعنوان: تموت الملائكة، وهي ما زالت تواصل دراستها الجامعية. تمتاز الأديبة والشاعرة صابرين بتنوعها في الكتابة، فهي تتنقل بين القصة القصيرة والخاطرة والشعر المنثور، وتغلف كتاباتها دائما بإحساس رقيق وحوار متقن وشفافية واضحة تعبر عن الصراع الدائر بين تناقضات الحياة، وبكلمات موسيقية عذبة ومنتقاة بدقة وإتقان، وتعبر لك عن خلجات نفسها وجوانحها بأسلوب أدبي راق رمزي وغير مباشر، أفكارها إبداعية، تلتقطها من واقع شخصيات في الحياة المعاشة، كما تحتوي كتاباتها على الكثير من الصور التعبيرية الأدبية الجميلة، والعواطف الجياشة، تفتح لك باب عالمها بشكل موارب، وتدعك تتسلل إلى داخله ببطء شديد، وفجأة تعرف أنت إلى أين وصلت بك، فتفهم هدفها ومرادها. في لقاء معها غير مباشر، لم يكن معد له مسبقا، بشكل جيد، تحدثت معها عما يدور في نفسها من صراعات، وما تود أن تعبر عنه في مسيرتها الأدبية والشعرية، وفي كتاباتها المعبرة كثيرا، ودار بيننا حديث هادئ ودافئ، وبعفوية مطلقة، تفاجأت به حقا، لم أكن اعلمها مسبقا بمضمونه، حتى اعرف ما يجول في خاطرها بعفوية وبصدق، ولم اقل لها إنني أود نشره عبر الشبكة العنكبوتية، ومنتدياتها وصحفها الالكترونية، وكان هذا ما جرى بيني وبينها من حديث وحوار:
قلت: منذ متى تكتبين الشعر والنثر والقصص والخواطر؟
قالت: منذ أكثر من عشرين عاما.
قلت: وما هي رسالتك في الكتابة؟؟
قالت: نشر الحب والود والتفاهم والانسجام بين الناس بشكل عام، وداخل الأسرة بشكل خاص، والتعبير عن معاناة بعض الشخوص في المجتمع.
قلت: تكلمت في كتاباتك عن شخصية الخادمة ومعاناتها، وعن مشكلة واحساس زوجة عقيمة وزوجها، والعروس في يوم حنائها، وما يتبعه من طقوس وعادات وتقاليد، وعن امرأة مصابة بسرطان الثدي، ومعاناتها اليومية، وما ينتابها من إحساس، وعن امرأة قذرة بكل ما في الكلمة من معنى، وامرأة في حالة ولادتها، وامرأة تعاني من الوحدة القاتلة، وعن مرحلة الشيخوخة وما يدور في فلكها من مناكفات ومماحكات زوجية، وغيرها من الشخصيات المعروفة في المجتمع العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، هل أنت حقا تتكلمين عن واقع عايشته بصدق؟؟ أم انك تتقمصين تلك الشخصيات، وتعبرين عن بواطنها وخلجاتها، وما يدور من حولها ويحركها؟؟
قالت: (ضحكت كثيرا من سؤالي) وواصلت، انا لدي ولد وبنت في الجامعة، وولد آخر في المدرسة، فكيف بالله عليك؟؟؟ كيف انا اكون سيدة عاقر، كوني تقمصت شخصية امرأة عاقر، وكتبت عن شعورها وما يحدث بينها وبين زوجها من حوارات؟؟
قلت: وشخصية الخادمة؟؟؟ هل فعلا اشتغلت خادمة ايضا، في يوم من الأيام؟؟؟؟
قالت: (ضحكت كثيرا) ثم قالت، يا سيدي معقول هذا؟؟؟ انا سيدة وزوجي مدير شركة كبرى، واعمل خادمة!!!!! (تواصل ضحكاتها بشكل متقطع)، وتابعت القول، انا كتبت رواية عن ظروف شابة عاهرة، (وبسرعة قبل ان تكمل حديثها) قالت: ارجوك، اوعي تفتكر انني ……. لا سمح الله، (واصلت ضحكاتها بشكل متواصل أيضا، وعالي جدا).
قلت: دقتك، في تقمص الشخصيات، والتعبير عن ظروفهم بشكل جلي وواضح، شوقتني كثيرا لمعرفة شخصيتك وعملك؟؟؟
قالت: ياسيدي، انا اتقن تقمص الشخصة، وأراها في أحيان كثيرة أمامي، وأتفاعل معها بشكل عميق، وأحس بها جيدا، لذلك، أعبر عن مكنوناتها بصدق واخلاص، وليس شرطا ان اكون مارست عمل او دور تلك الشخصية وخلافه.
كتبت الأديبة والشاعرة الرائعة صابرين، بعضا من خواطرها، وهي تجلس في شقتها على احدى شرفاتها، وتراقب شرفتين تطلان عليها من عمارتين قريبتين منها، وتتخيل ما يدور بداخلهما من احداث، على ضور بعض مؤشرات تصدر منهما يوميا، لنقرأ ما يدور بخلجات
نفسها بعنوان: شرفات:
أصنعُ قهوتي، أخرج إلى الشرفة-محيط إبداعي-أستقل موجة نص جديد، أغوص في عمق عبارة، أمرح على سطح معنى شيق، على الوجة المقابل شرفتان، لم أتلصص عليهما-ولم أحاول-كأن الجدران زجاجية، بل ربما البيوت تقيأت أسرار أصحابها ..زوج وزوجة بنيا هرم حياتهما من أحجار السنين، تطاول البنيان، حتى شابت قمته، سكون يضج به المكان، الأثاث يحترف لغة الصمت، الستائر أصابها شلل السنين ..يجلسان في الشرفة، بيد كل منهما كوب شاي، ينظر إلى الشارع، و هي تجلس خلفه بيدها كوبها، يرتعش خوفاً من سقوطه، صمتها جعلها غير مرئية له،تضع يدها على فمها لتأسر لسانها عنوة، يسير كوباهما في رحلة شاقة، لتتمكن من الوصول إلى أفواههما، قد تبرد حتى تصل، تغيب هناك، لتستريح من عناء الوصول، أو يبثان لها شقاء العمر الطويل، ترهلات زمنهما القاسي ..في الشرفة الأخرى، تبدوالحياة فيها لعوباً، الأثاث يتراقص على ترانيم عشقهما، الستائر باسمة الوجة، موسيقى وصخب للمشاعر، يعدوان خلف بعضهما للإمساك بالحب، يراوغهما في لعبة عشق مسلية ..
كل يوم أشاهد؛ حتى صرت أتنبأ أحيانا بما يحدث في الشرفتين، تغلق الأيام بيديها القاسيتين شرفة السكون؛ لتصمت صمتاً أبدياً،الشرفة الأخرى تهدأ فيها الحياة، لم يعد هناك عدو خلف الحب، نضج وسكن في القلوب واستكان، صار صوته همساً، أرفع فنجان قهوتي، الذي يئن في رحلته الشاقة؛ ليصل إلى شفتيَّ مرتعشاً، خوفاً من سقوطه.
تكتب صابرين في قصة الحياة ورقة
فتقول بألم وحرقة، عما يعتريها في هذا الموقف، من ملل وسأم ورغبات تتصارع بداخلها:الحياة، ورقة وحيدة، تذبحني الوحدة بسكينها الحامية، تمزق أوصالي، تفترسني بشراهة عجيبة، أتمزق، وتسيل دمائي، فتلعقها، دق جرس الباب، رأيت من خلاله رجلاً، عرفت أنه من قسم الشرطة، صعقت عندما سألني عن اسمي، لكِ تلك الورقة، أخذت الورقة، أحسست برعشة تسري في كياني، كأنها زلزال، مركزه هذه الورقة، وأنها ستدك عمري كله، أصبح زوجي كأنه فوهة بندقية، تطلق طلقة نارية، تقتل بها حياتنا.
تسيل من عيني دمعة ملتهبة، فاقت حرارة الشمس، كلما أغلقت جفني، صارعتهما دمعة جديدة، تريد أن تنزلق لتلقى مصير أختها.
شعرت أنني على متن سفينة غارقة، لا سبيل لإنقاذها، بعدما فر الربَان، وتركني أصارع الأمواج وحدي، في هذا الخضم، وجدتني أركب إحدى أمواج الماضي، وأعود معها.
رأيتنا معاً، تغمرنا السعادة، إن فتحت عينيّ أرى الدنيا ترتدي أجمل ثيابها، إن غفوت، فأحلامي كلها جميلة، صرنا نشرب من ينبوع السعادة حتى الثمالة، يطفو على سطح السعادة سؤال، سألني وسألته، أين طفلنا؟ نظر كل منا للآخر، وعلامة الاستفهام تلتف حول أعناقنا، من منا الذي لم يعط جواز مرور لطفلنا؟؟؟ وأعاق حضوره.؟
ذهبنا إلى الأطباء، أجرينا الاختبارات اللازمة، انتظرنا النتيجة.
هي عقد من الماس، يزين جيد كل النساء، بكيت أيامي وأنا أنتظر، هل أنا ولود؟؟؟؟ أو أنني شجرة عقيم؟؟ ؟ لا تصلح إلا أن يستظل بظلي، أو أن أبتر، فأكون مثل قطعة خشب، تُحرق، فتصير رماداً، هل أبتر؟ وأنا ليس لي فروع جديدة، أو ثمار تملأ حياتي بهجة.؟
يجلس شارداً أمامي، ينظر كل منَا للآخر بعيون الصمت، كأننا نرى بعضنا لأول مرة، ورقة التعارف بيننا، هي نتيجة الاختبارات، نعم نحن في سباق، كل منا يتمنى الفوز على رفيقة، حياتنا بها عطب، لا يريد أن يكون هو سببه، ولا أنا.
ذهبت إلى الطبيب، قرأت عينيه قبل حديثه، أنا أرض بور، لن أنبت أو أثمر.!
ماتت داخلي الأمومة، انتحرت، ارتديت ملابس الحداد، على رفيقتي الراحلة .
شعرت برحمي يضمر داخلي وينكمش، يستحي مني و يبكي؛ لأنه لا يصلح لأن يكون دنيا لصنع وليدي، عدت إلى المنزل، وجدت زوجي، وعلى وجهه، رسمت نشوة النصر، أنظر إليه بنظرة استعطاف، لكن، كنت أسيرة، وهو كأمير منتصر، سعيد بفوزه .
!تركني وحيدة، أحمل عقمي الذي صار رفيقي، بعدما رحلت أمومتي بغير عودة، أغلق الباب، بعدما رمقني بنظره، يقول فيها :
لن أكمل عمري معك، فأنت نصف امرأة، مجردة من الأمومة، بئر جف ماؤها قبل أن يرويني، أعود إلى مشاعري الممزقة، وقد لففتها في ورقة .!
تتابع الأديبة والكاتبة صابرين، في خلجات، تكات الخريف
وتعبر عنها بأيحات رمزية راقية، عن خريف عمرها، لنقرأ ماذا تقول، عبر تكات الخريف.. خريف عمرها:
في قلب الليل، أسمع: (تك تك)، تكات خفيفة، كصوت طرقات حبات المطر، على زجاج غرفتي، لسنا في الشتاء، بل يعيشنا أغسطس.أسترق السمع، تكات لا تتغَير.
قلت: لعلها الساعة، تلك الرابضة فوق جدران سنيني المزعجة، خاصة في الليل، التي تصمت نهارا، و تثرثر عندما يجن الليل. نهضت من فراشي، أخرجت منها البطارية، تنفست الصعداء، أستطيع الآن النوم بلا إزعاج .!
أغلق عيناي، أعود أسمع …. تك تك .! أنظر إلى الساعة، ماتت عقاربها.
دفنت رأسي تحت وسادتي، لكن الصوت يتسلل؛ ليطعن أذني، شققت صدر غطائي، نهضت أتتبع أثر الصوت.ذهبت إلي المطبخ …
أتحسس صنبور المياه المزعج، مددت أصبعي في فوهته،
المزيد